//
vous lisez...
أدب Littérature

الوطن في شعر نزار قباني

الوطن في شعر نزار قباني

ليس من السهل اقتحام عالم شاعر مترامي الأطراف كعالم نزار قباني، هذا الشاعر المحصَّن بقلاع عالية من الشهرة والذيوع، وفيه من الارتقاء ما يُحيل القارئ إلى فضاءات لا حدود لها. 
نعم.. هذا هو عالم نزار القباني والذي أقام الدنيا ولم يقعدها، والذي جعل للشّعر مساراً جديداً خاصاً بنزار القباني.
والسيد الباحث طرح الموضوع من كل جوانبه بثقة العارف، المتفحص، الداخل في أعماق نزار ليخرج ما جمعته السّنون في قلبه الأحمر الأبيض، هذا القلب الذي فارق الدنيا على حبّ وعهد كان قد قطعه على نفسه بأن يكون البستان والناس يجنون من عبقه وعطره ما يسدّ ويشبع غرائزهم، والذي خبّأ فيها فوانيس لا زالت تنير الطريق للعشق والثورة، وحبّ الحياة والناس. 
ابتدأ الباحث حديثه عن نزار الإنسان الذي وسّع الأبواب التي تفتّحت أمامه والشاعر الذي -كما يقول الشاهر -: (اقتحم علينا خلوتنا وفاجأنا بأحاسيس لم نعهدها وبنواميس لم نتعامل معها من قبل، وبطقوس لم نمارسها إلا في عالمنا المظلم). 
كيف لا وقد هاجمه المجتمع في البداية عندما تكلم بجرأة الواثق غير آبه بالعادات والتقاليد التي كانت المسار والطريق، وهيهات أن يخرقها أو يخترقها أحد. كان ذلك منذ صدور ديوانه الأول الذي أثبت فيه أنه يجيد الوخز بالكلمات في فيض الانفعالات والأفكار التي تترك آثارها الجارحة، بعد أن هزّ الكثير من القيم الفكرية والاجتماعية والسياسية الموروثة من عصور قديمة أكل الدهر عليها، ولم يقدر أحد ولم يجرؤ على نبشها بمثل ما فعل نزار القباني. 
ولغة نزار وشخصيته المتألّقة القوية تبدّت منذ اللحظة الأولى لأنه اعتبر نفسه صاحب مدرسة خاصة في الشعر عملها تشكيل الوجدان العربيّ وهو الذي يقول
عندما يسقط القمر كالمرايا
(سأقاتل حتى يصبح البحر أكثر زرقة، وعصافير الحرية أكثر تناسلاً، وقامة الإنسان أكثر ارتفاعاً). 

وبأسلوب شيّق وسلس، وبلغةٍ ميسورة مبسّطة، استطاع نزار أن يدخل إلى قلوب الملايين التي أحبّته وحفظت أشعاره وأقواله، لأن شعره لعب دوراً في صنع الوجدان الشعبي، ورفع درجة الحساسية في الوعي الوطني. 
والوطن في شعر نزار حاضر قويّ متماسك، وكان يطرحه على طريقته التي كان يريدها ويتمنّاها ليكسر الطوق الذي بدأه بنفسه عندما أخذ يطالب بتكسير قيود العادات والدخول إلى أعماق المرأة التي أعطاها بُعداً وطنّياً وإنسانياً. 
وعندما كتب للحب، حمل الوطن على باقةٍ من العشق الدائم، ليخرجَ علاقات الحب في مجتمعنا من القهر والكبت والعيب والحرام، إلى النور الذي يُرى من خلاله كلّ شيء على حقيقته بعيداً عن الباطنية المغلّقة، والأسوار الخانقة. 

قراءة في نهدين افريقين
ثوري.. أحبّك أن تثوري 
ثوري، على شرقِ السّبايا والتّكايا والبخورِ
لا ترهبي أحداً
فإنّ الشّمس مقبرة النّسورِ
ثوري، 

هذا بالإضافة إلى ما قال وكتب وغنّى عن المرأة وللمرأة بكل جرأة ووضوح مستعيناً على ذلك بعاطفة النّساء التي -استطاع وبفطنة وذكاء- أن يضمّها إليه ويجعلها خير مدافع عنه ومحبّ لكل ما يقول عنها وبها. 
ولم يقف الأمر عند هذا بل بدأ القباني يخضّ الحياة العربية بكل جوانبها وكما أوضح السيد عبد الله الشاهر هذا الجانب الهام وأعطاه القسط الأكبر من الحديث عندما دخل إلى عالم نزار ولخص دون أن يترك أو ينسى شيئاً من حياته وحتّى مماته ابتداء من عصر الخمسينيات الذي كان يعيش على التناقضات والخرافات والموروث الذي خلّفتُه عصور الانحطاط مارّاً، بقطاره، على حزيران ونكسته (هوامش على دفتر النكسة) وصولاً، ومع نهاية الستينات، إلى انكسار الحلم العربي. وقد كتب الكثير الكثير في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ أمتنا والتي كانت المفاجأة التي غيّرت كل التصوّرات والحسابات والتي استطاع نزار أن يعرّيها تماماً ويكتب عنها تارةً جاداً وتارة متهكّماً وفي الأحايين الكثيرة مجروحاً، كلّما آلمه الجرح عبّر عنه من مخزونه الداخلي المدمّى الذي ما سكت في يوم من الأيام عن مارقٍ أو سارقٍ أو متلاعبٍ بحقوق الشعوب ومقدّراتها، وكثيراً ما كان يظهر ذلك في شعره للمرأة التي جعلها الرمز الأول والأخير يقول: 

كلّما غنّيت باسم امرأةٍ
أسقطوا قومّيتي عنّي وقالوا: 
« كيف لا يكتب شعراً للوطن؟« 
فهل المرأة شيء آخر غير الوطن 
آه- لو يدرك من يقرؤني، 
أنّ ما أكتبه في الحبّ.. 
مكتوبٌ.. لتحرير الوطن.. 
.

-أريدك أنثى 
لتبقى الحياة على أرضنا ممكنهْ
وتبقى الكواكب والأزمنهْ
فما دمت أنثى فنحن بخير 
وما دمت أُنثى 
فليس هنالك.. خوفٌ على المدنّية 

وعلى هذا أسّس السيد عبد الله الشاهر أقواله عندما أكّد على أن نزاراً الإنسان كان يدعو إلى حوار النفوس مع الأجساد ليجعل من الحب الطبيعي فعالية إنسانية مبدعة وبعد أن تكلّم وأسهب بالكلام عن نزار والمرأة وأعطى الأمثلة الكثيرة على ذلك تحوّل إلى جانب آخر وهو دعوته للتغيّر والثورة على كل النواحي التي تقف في وجه حبّ الحياة الجميلة الهادئة، وبالرغم من كل ذلك تبقى المرأة في شعره يكلّمها متى يشاء ليجعل منها الأداة السحرية والجمالية التي تنطلق منها أسس الحياة بمعانيها السّامية التي لا تقف عند حد. فالمرأة هي الأم والأخت والابنة والزوجة والحبيبة وبدونها لا تستقيم الحياة، ولا يقوم المجتمع ولا يتشكل الوطن. 
يقول: 

أشهركِ في وجه البوليس العربيّ
أغنية 
وفي وجه النّفط العربي 
قارورة عطر 
وفي وجه الموت العربيّ
بشارة ولادة 
ويتابع المشوار بهجومه على العادات والتقاليد بشكل جلّي وواضح، ليحرّك السكون في مجتمع يحلم بالوداعة مفترشاً بساطته البعيدة عن الحقد والتعقيد، وتتوالى القصائد التي تدعو المجتمع إلى النظر والتمعن في العادات والبحث عن الطرق التي تحقّق التواصل في وحدة المجتمع والفكر جاعلاً من الهجوم والصدام مع كل شيء يراه وباسم جميع الناس الصدام بالسخرية والتهكّم والإدانة والفضيحة ليضع نفسه دريئة يقذفها كل الّذين تصيبهم شظايا قنابله المتفجرّة في كل مكان.. وبذلك استطاع أن يقتحم الأبواب ويفتح أبواب الحوار بطريقة لم يستطع غيره اجتيازها والوقوف عندها. 
لقد مرّ نزار بإسبانيا (الأندلس) التي جعل منها متكّأً لهجومه، معتمداً على الأحداث والمنازعات التي نشبت آنذاك والتي أعطته جواز السفر الصالح لعبور كلّ البلاد بعد كسر الحواجز والحدود، لأنّه بطريقته التهكّميّة البّينة كان يبكي تلك الأيام كيف لا وهو ينام في غرناطة مع دمشق بفراش واحد، ويرى في وجه دمشق أجفان بلقيس، وجيد سعاد، وبالتالي يقف على أبوابها ليعانق طارق بن زياد. 
يقول الشّاهر: لكنّ نزاراً هاجم التاريخ العربي هجوماً شرساً انفعالياً ووصفه وصفاً لا يليق به ومن شاعر بمستوى نزار، ويستشهد على ذلك ببعض أقواله: 
-أمشط التاريخ، يا سيدتي 
عبارة عبارة.. إلى أن يقول: 
فلا أرى إلا خياماً أكلت خياما.. 
فهل نكون كذبة كبيرة
نحن العرب؟ 
ولقد غفر الناس لنزار، وتقبّلوا منه كل ما قاله لأن حبّه للوطن لم يفارق مخيلته وأشعاره حتّى في وقت هجومه. وتهكّمه على العرب لأنه أحب دمشق وكان العاشق المدمن ونرى ذلك في القصيدة التي مطلعها: 

هذي دمشق، وهذي الكأس والراح
إنّي أحبّ، وبعض الحبّ ذبّاح.. 

والشعر السياسيّ عند نزار أخذ منه مساحة واسعة لأنه تميّز بالجرأة العالية والخصوصية المتميزة، وسياسةً فريدة متقدمة ظهرت في قصيدته /الحرية، التي أخذت أبعاداً كبيرة عند الجماهير. فمن قصيدته: هوامش على دفتر النكسة إلى الاستجواب، الممثلون، الخطاب، الوصية /حوار مع اعرابي../ بانتظار غورو/ المهرولون من مفكرة عاشق دمشقي/ اعتذار لأبي تمام. ولم يفلت من صوته الشعريّ الذين هدروا مقدرات الأمَة، وباعوا أنفسهم لذواتهم وشهواتهم الخاصّة.

وأخيراً رأينا نزاراً يندفع في تشرين يغني للوطن الذي سجل الانتصارات فهو القائل: 
ألاحظتِ..؟ 
كيف تحررت من عقدة الذنب 
كيف أعادت لي الحرب
كل ملامح وجهي القديمهْ
أحبّك في زمن النصر 
إنّ الهوى لا يعيش طويلاً بظلّ الهزيمة 
ومن قصيدته (ترصيع بالذهب على سيف دمشقي..) 

شمس غرناطة أطلّت علينا 

بعد يأسٍ وزغردت ميسلون 
إنّ أراضي الجولان تشبه عينيك 

فماءٌ يجري، ولوزٌ، وتينُ.. 
إلى: كلّ ليمونةٍ ستنجب طفلاً 

ومحالٌ أن ينتهى الليمون. 

 » منقول  « 

 

About these ads

À propos de ٌRidha Sellami رضا السلامي

Plus fertile que la terre,,,l'homme اكثر خصوبة من الأرض...النسان

Discussion

Pas encore de commentaire.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

Suivre

Recevez les nouvelles publications par mail.

%d blogueurs aiment cette page :